الأب “بشار قرة” يرسم الأيقونات بالنحاس


من يشاهد الأيقونات التي أبدعها الأب “بشار قرة” في أكثر من كنيسة داخل سوريا، لا بد سيتساءل عن السر الكامن وراء جمالياتها، وآلية صياغتها من النُّحاس الخالص، وكيفية تزويدها بهذا الكم من التعبيرية، وفي الوقت ذاتها تحقيق صلابة ومقاومة للزمن.

ربما يتوقع النَّاظر لتلك اللوحات أنها صُبَّت من خلال قوالب جاهزة ومكابس خاصة، وزُيِّنَت بالنُّقوش، لكن المُتَمعِّن بإتقان الصَّنعة والروحانية العالية في ملامح الوجوه، سيتيقَّن بأن ثمة سِرّ وراء تلك الأيقونات الآسرة.

التقينا الأب “بشار قرة” لكشف بعض أسرار ذاك الجَمال، فأخبرنا بأنه تعلَّم رسم الأيقونات منذ زمن بجهد شخصي، محافظاً على المدرسة البيزنطية، بكل ما تتضمنه من شكل الوجه والأصابع والعيون والأنف واللِّباس والطبيعة والألوان… ودلالات كل ذلك كنسياً وروحياً.

أما انتقاله إلى الرسم بالنحاس فتمّ بعد أن حضر على التلفزيون مقابلة مع شخص يشتغل لوحات نحاسية موضوعها البحر والسُّفن…، شارحاً بشكل بسيط تقنيته في العمل، ومن حينها خطر ببال الكاهن موضوع رسم الأيقونات على النحاس، وتحقق لديه من خلال التجريب والبحث والجهد الشخصي.

يقول الأب بشار: قضيت فترة طويلة حتى اهتديت إلى نوع النحاس المناسب، ومعرفة كيفية تطويعه، بحيث أنني بعد شهر من البحث أحضرت عُدّة “بَلْصْ” نحاس، لكن كانت قبضاتها خشب، ورِيَشُها معدنية، فلم تُحقق رغبتي، لذا صنعت عدّتي بنفسي، من الخشب الخالص.

ويضيف: الأمر ذاته يتعلق بمواد التعتيق التي رغم عملي في هذا المجال منذ عشرين عاماً إلا أن أحداً لم يخبرني عن ماهيتها، لذا اختبرت الكثير من المواد الزيتية التي نُصِحْتُ بها، ولم تكن ناجحة، فبعضها كان بحاجة إلى يومين حتى ينشف، لكنني في النهاية اهتديت إلى مادة طباعية مائية، حققت المطلوب بشكل كبير.

أما بالنسبة للآلية العامة لتشكيل اللوحة يقول: أرسم الأيقونة على إحدى رقائق النحاس، فتظهر خطوطها الأساسية على الوجه الآخر، ومن خلال الضغط بعود خشبي وأقلام خشبية بطريقة “البَلْصْ” على هذا الوجه الثاني، تبدأ ملامح الأيقونة بالظهور على الوجه الأول.

وينوِّه الأب “بشار قرة” إلى أن ذلك بحاجة إلى حرفية وصبر، أولاً من أجل المحافظة على روح الأيقونة، وثانياً لأن أي ضغط زائد في مكان خاطئ يُنْهي اللوحة من أساسها، وهو ما يوجب الدقة والحذر الشديدين.

أما ما يتعلق بالخلفية فتتشكل ملامحها، بحسب قرة، عبر الضغط من الطرفين، لتأتي الزخارف النباتية والهندسية مُعطيةً الأيقونة مزيداً من الحيوية، وبعد ذلك يتم وضع معجونة خلف اللوحة ثم لصقها على قطعة خشبية من دون ترك أي فراغ نهائياً لأنه سيؤدي إلى تشويه العمل.

يوضح الكاهن “قرة” إلى أن أعماله النحاسية منفذة يدوياً بالكامل من دون أي قوالب، وبتقنية لا علاقة لها بالنَّقش، وإنما هي رسم بالنحاس على رقائق تبدأ سماكتها من 2.3 دوزييم، ومع ذلك هي مقاومة للزمن، لأنه بعد تلميع النُّحاس وتعتيقه، يتم عزله بمواد خاصة، بحيث أن أي لوحة بعد عشر سنوات مثلاً، فإنها تعود إلى نضارتها الأولى بقليل من التلميع والتعتيق.

ويؤكد الأب بشار أنه حافظ على الفن البيزنطي في رسم الأيقونات التي يُوجب أن يتواءم شكلها العام مع حياة الشخص الذي تمثله من القديسين، وعلى الأنف أن يكون طويلاً رفيعاً دليل السمو والرفعة، والعيون واسعة كنظرة أخروية بعيدة، أما الفم فصغير جداً دلالة التقشف،… وللألوان أيضاً مغازيها.

يقول الكاهن “قرة” بأن الأيقونة النحاسية فن كنسي قديم أحاول المحافظة عليه، ففي السابق كانت الأيقونات تُلبَّس بالنحاس وأحياناً بالفضة والذهب، بحيث يُحافظون على وجه الأيقونة، أما اللباس فمن الفضة أو الذهب ليكرموها أكثر، في حين أن ما أشتغل عليه هو أن كامل الأيقونات التي أشتغلها من النحاس الخالص.

وعن أكثر العوائق في الرسم بالنحاس، إضافة إلى الجانب الفني والدقة والصبر، إذ يستمر العمل على لوحة واحد أكثر من أسبوعين أحياناً، يقول “قرة” بأن النحاس بات مكلفاً جداً في الآونة الأخيرة بحيث يزيد سعر الكيلو الواحد منه عن الثلاثين ألف ليرة.

يذكر أن أكبر الأيقونات التي اشتغلها “قرة” هي “أيقونة سيدة اللقاء” التي تزين أحد جدران دير “مار توما” في صيدنايا، والمكونة من 114 لوحة نحاسية للسيدة العذراء مجتمعة في إطار واحدة بمساحة تقارب 50 متراً مربعاً.

كما اشتغل لوحات على أبواب كنائس “القديس الياس الغيور” في صحنايا و”مار تقلا” في داريا، و”جاورجيوس المظفر” و”مار جريس” في جديدة عرطوز، وأيقونات أخرى موجودة في فنزويلا وفالنسيا، وأيقونسطانس كامل (حامل أيقونات) في تشيلي، وغيرها الكثير.

Post a Comment

syria.suv@gmail.com

Previous Post Next Post

ADS

Ammar Johmani Magazine publisher News about syria and the world.